بسم الله الرحمن الرحيم

و به – سبحانه – أستعين

ملخص تفسير سورة الحشر – للشيخ محمد أحمد زحل، ألقيت هذه المحاضرة في يومي الجمعة و السبت الثامن عشر و التاسع عشر من شهر شوال لعام 1429 هـ، الموافقين للسابع عشر و الثامن عشر من شهر أكتوبر لعام 2008 م بمسجد الجامع العتيق لعين الشق بمدينة الدار البيضاء – صانها الله – قاعدة الاقتصاد بالمغرب الأقصى بلدنا الحبيب.

سورة الحشر هي السورة التاسعة و الخمسون في ترتيب سور المصحف الشريف و هي مدنية بالإجماع و تتألف من أربع و عشرين آية، و خمس و أربعين و أربعمائة كلمة 445 – و ثلاثة عشر و تسعمائة و ألف حرف (1913 ) و قد سماها حبر الأمة و ترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما سورة بني النضير ففيهم نزلت و ملحمة رسول الله صلى الله عليه و سلم معهم هي موضوعها و قد اختصرت هذه المحاضرة تفسير الآيات من ( 1-17 ) من قوله تعالى : بسم الله الرحمن الرحيم ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ  هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنْ اللَّهِ فَأَتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾.

إلى قوله تعالى : ( و ذلك جزاؤ الظالمين ) الآية 17 .

سورة الحشر في يهود بني النظير

للمفسرين سياقات مختلفة في شأن بني النضير مع رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم بين مفيض و مختصر و في سبب نزول سورة الحشر اطلعت على أكثرها لكني وجدت أوفاها بالمراد، و أيسرها لتحقيق الغاية و الوفاء بالمقصود ما كتبه الإمام العلامة علاء الدين علي ابن محمد بن ابراهيم البغدادي المعروف بالخازن المتوفى سنة 725هـ .

قال رحمه الله بين يدي تفسير سورة الحشر:( قال المفسرون نزلت هذه السورة في بني النضير و هم طائفة من اليهود و ذلك أن النبي صلى الله عليه و سلم لما دخل المدينة مهاجرا صالحه بنو النضير على أن لا يقاتلوه و لا يقاتلوا معه، فقبل ذلك منهم، فلما غزا رسول الله صلى الله عليه و سلم بدرا و ظهر على المشركين قال بنو النضير و الله إنه للنبي الأمي الذي نجد نعته في الثوراة لا ترد له راية. فلما غزا أحدا و هزم المسلمون ارتابوا و أظهروا العداوة لرسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و للمؤمنين و نقضوا العهد الذي كان بينهم و بين رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم، و ركب كعب بن الأشرف زعيمهم في أربعين راكبا من اليهود إلى مكة فأتوا قريشا فحالفوهم و عاقدوهم على أن تكون كلمتهم واحدة على محمد صلى الله عليه و سلم، و دخل أبو سفيان في أربعين من قريش و كعب بن الأشرف في أربعين من اليهود  المسجد الحرام و أخذ بعضهم على بعض الميثاق بين أستار الكعبة ثم رجع كعب و أصحابه إلى المدينة فنزل جبريل عليه الصلاة و السلام فأخبر النبي صلى الله عليه و سلم بما تعاقد عليه كعب و أبو سفيان و أمره بقتل كعب بن الأشرف فقتله محمد بن مسلمة غيلة في ملحمة مشهورة في السيرة، أضف إلى ذلك أن النبي صلى الله عليه و سلم قد اطلع منهم على خيانة حين أتاهم يستعينهم - في دية الرجلين المؤتمنين الذين قتلهما عمرو بن أمية الصمدي في منصرفه من بئر معونة – فهموا بطرح حجر على النبي صلى الله عليه و سلم من الحصن فعصمه الله منهم و أخبر بذلك فلما قتل كعب بن الأشرف أصبح رسول الله صلى الله عليه و سلم و أمر الناس بالمسير إلى بني النضير و كانوا بقرية يقال لها زهرة، فلما سار إليهم النبي صلى الله عليه و آله و سلم وجدهم ينوحون على كعب بن الأشرف، فقالوا : يا محمد واعية على إثر واعية و باكية على إثر باكية قال : نعم . فقالوا ذرنا نبك شجونا ثم ائتمر أمرك، فقال النبي صلى الله عليه و سلم: اخرجوا من المدينة لا تساكنوني فيها و قد أجلتكم عشرا فمن وجدته فيها بعدها ضربت عنقه، فقالوا : الموت أهون علينا من ذلك ثم تنادوا بالحرب و آذنوا بالقتال و دس المنافقون - عبد الله بن أبي و أصحابه - إليهم أن لا تخرجوا من الحصن فإن قاتلوكم فنحن معكم و لا نخذلكم و لننصرنكم و لئن أخرجتم لنخرجن معكم فدربوا على الأزقة و حصنوها ثم تمادوا في عزمهم على الغدر برسول الله صلى الله عليه و آله و سلم، فأرسلوا إليه أن اخرج إلينا في ثلاثين رجلا من أصحابك و ليخرج  منا ثلاثون حتى نلتقي بمكان نصف بيننا و بينك فيسمعوا منك فإن صدقوك و آمنوا بك آمنا كلنا، فخرج النبي صلى الله عليه و آله و سلم في ثلاثين من أصحابه و خرج إليه ثلاثون حبرا من اليهود حتى كانوا في براز من الأرض، فقال بعض اليهود لبعض كيف تخلصون إليه و معه ثلاثون رجلا من أصحابه كلهم يحب الموت قبله و لكن أرسلوا إليه كيف نفهم و نحن ستون،؟ أخرج في ثلاثة من أصحابك و يخرج إليك ثلاثة من علمائنا فيسمعون منك، فإن آمنوا بك آمنا بك و صدقناك، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة من أصحابه، و خرج ثلاثة من اليهود معهم الخناجر و أرادوا الفتك به صلى الله عليه و آله و سلم فأرسلت امرأة ناصحة من بني النضير إلى أخيها و هو رجل مسلم من الأنصار فأخبرته بما أراد بنو النضير من الغدر برسول الله صلى الله عليه و سلم فأقبل أخوها سريعا حتى أدرك النبي صلى الله عليه وآله و سلم فساره بخبرهم قبل أن يصل إليهم فرجع النبي صلى الله عليه و سلم، فلما كان من الغد صبحهم بالكتائب فحاصرهم إحدى و عشرين ليلة، فقذف الله في قلوبهم الرعب، و أيسوا من نصر المنافقين فسألوا رسول الله صلى الله عليه و سلم الصلح فأبى عليهم إلا أن يخرجوا من المدينة على ما يأمرهم به فقبلوا ذلك فصالحهم على الجلاء و على أن لهم ما أقلت الإبل من أموالهم إلا الحلقة و هي السلاح و على أن يخلوا ديارهم و عقارهم و سائر أموالهم. و قال ابن عباس على أن يحمل كل أهل بيت على بعير ما شاؤوا من متاعهم و للنبي صلى الله عليه و آله و سلم ما بقي، و قيل أعطى كل ثلاثة نفر بعيرا و سقاء فقبلوا ذلك و خرجوا من ديارهم إلى أذرعات و أريحا من أرض الشام إلا أهل بيتين منهم آل أبي الحقيق و آل حيي بن أخطب فإنهم لحقوا بخيبر و لحقت طائفة منهم بالحيرة و ذلك قوله عز و جل : ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنْ اللَّهِ فَأَتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾.

 

المفردات و معانيها

سبح لله :          نَزَّهه و مجده و قدسه و الأشياء كلها تسبح لله و تسجد بعضها بالتسخير و بعضها بالاختيار، و لا خلاف أن السماوات و الأرض و الدواب مسبحات بالتسخير، من حيث إن أحوالها تدل على حكمة الله تعالى، و إنما الخلاف في السموات و الأرض هل تسبح باختيار و الآية تقتضي ذلك بما ذكر من الدلالة و يؤيده قول الله تعالى : ﴿﴾ ( وَ إِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ).

أهل الكتاب : المراد هنا يهود بني النظير

لأول الحشر : في أول إخراج و إجلاء إلى الشام.

لم يحتسبوا   : لم يخطر لهم ببال

قذف          : ألقى و رمى

الرعب        : الخوف الشديد

يا أولي الأبصار: يا أصحاب العقول السليمة و البصائر الصافية.

الجلاء           : الخروج من ديارهم

شاقوا            : خالفوا و عصوا

لينة              : نخلة

على أصولها    : على سوقها

و ليخزي        : ليذل

و ما أفاء الله    : ما رده على رسوله من أموال بني النضير، و الفيء ما أخذ من أموال الكفار

                     صلحا بغير قتال.

فما أوجفتم      : لم تركبوا و لم تجشموا مشقة لتحصيله.

ركاب           : ما يركب من الإبل.

و لذي القربى   : أقرباء النبي صلى الله عليه و آله و سلم.

و اليتامى        : الأطفال و الصبية الذين فقدوا آبائهم.

ابن السبيل       : الغريب المسافر الذي نفذت نفقته و ذهب ماله.

دولة              : ملكا متداولا بين الاغنياء محتكَرا لهم.

تبوءوا الدار و الإيمان : سكنوا المدينة و آثروا الإيمان على الكفر.  

لا يجدون في صدورهم حاجة : لا يضمرون لاخوانها غشا و لا يحسدونهم على  

                                    ما آتاهم الله.

خصاصة      : حاجة و فقر.

يوق            : يحفظ و يكف و يجنب.

شح نفسه       : الشح بخل بالمال مع حرص عليه و تطلع لما بيد غيره.

غِلاًّ             : حسدا و حقدا.

لإخوانهم       : من يهود بني النضير.

جدر            : حيطان.

بأسهم           : عداوتهم و خصومتهم.

شتى            : مختلفة متفرقة.

و بال أمرهم   : سوء عاقبة أمرهم.

كمثل الشيطان  : مثل المنافقين في وعدهم اليهود بالنصر و خذلانهم و عدم  

                   وفائهم بما وعدوا كمثل الشيطان.

المعنى الإجمالي لهذا المقطع من السورة :

بعد أن أخبر الباري عز و جل عن علو شأنه و سمو قدره و كمال عظمته مما جعل الوجود و ما فيه يسبح له و يقدسه و يثني عليه الخير كله لعزته و قهره و غلبته و إحاطة علمه و نفاذ مشيئته كما قال ﴿ وَ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ و قوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ  معلوم أن المراد بأهل الكتاب هنا هم يهود بني النضير و هم رهط من اليهود من ذرية هارون نزلوا المدينة في فتن بني إسرائيل ينتظرون بعثة النبي صلى الله عليه و سلم و كان ظهوره عندهم من اليقينيات التي دلت عليها الثوراة لكن لما ظهروا لم يكن من بني إسرائيل حسدوه فكفروا به ﴿ فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ناصبوه العداء و غدروا به و تآمروا على حياته و قد كانوا هم و بنو قينقاع أول من أجلي من أهل الذمة من جزيرة العرب و هذا هو الحشر الأول، ثم أجلي آخرهم من خيبر إلى اذرعات و أريحاء من أرض الشام في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه. قال أبو بكر بن العربي : ( للحشر أول و أوسط و آخر، فالأول إجلاء بني النضير و الثاني إجلاء يهود خيبر، و الثالث حشر القيامة) ( أحكام القرآن ج 4 ص 1764 ) و كون المراد بأهل الكتاب هنا يهود بني النضير قضية إجماع من المفسرين، و لم يخالف في ذلك إلا الحسن البصري وحده فزعم أنهم بنو قريظة و هو غلط، فإن بني قريظة ما حشروا بل قتلوا بحكم سعد بن معاذ لما رضوا بحكمه فحكم عليهم بأن يقتل مقاتلهم و تسبى ذراريهم و تغنم أموالهم، فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم: «لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة».

و قوله تعالى: ﴿ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا إخبار عن قوتهم و كثرة عددهم و عدتهم و قوة تحصيناتهم و دفاعهم و كثرة أموالهم و هيبتهم في قلوب المؤمنين حتى ظنوا أن لا قبل لهم بهم و أن ليس لأحد بهم طاقة ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنْ اللَّهِ و في المقابل كان باليهود إعجاب و غرور في حصونهم و قوة دفاعهم معتقدين أنهم في عزة و متعة لا يبالون معها بأحد يتعرض لهم أو يطمع في غزوهم ﴿ فَأَتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا لكن القوي العزيز سبحانه أوقعهم فيما لم يكن في حسبانهم و لم يخطر لهم على بال اغترارا منهم بوعد عبد الله بن أبي و من شايعهم من يهود بني قريظة بالنصرة أو الجلاء معهم فألهم نبيه أن ينذرهم بالخروج و إلا حلت بهم الدائرة فلما أبوا حاصرهم فنصر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالرعب فنزلوا على شروطه ﴿ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ ملأ الله قلوبهم رعبا بعدة تدابير وفق إليها رسوله صلى الله عليه وسلم، بقتل زعيمهم المتغطرس الحاقد المتآمر كعب بن الأشرق، و محاصرة حصونهم و قطع نخيلهم ﴿ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ لما بدأت المناوشات القتالية في أثناء الحصار كان المسلمون يخربون حصون اليهود من الخارج ليفتحوا ثغرات يتسللون منها إلى داخل الحصون و اليهود يخربون من الداخل ليسدوا المنافذ دون المسلمين و قيل إن المراد أنهم لما أيقنوا بالجلاء حسدوا المسلمين أن يسكنوا حصونهم فخربوها بأيديهم، و من معاني ذلك أيضا أنهم لما أذن لهم أن يأخذوا معهم ما حملت الإبل جعلوا يستحسنون الباب و الشباك أو العمود فيخربون الجدران ليحملوا معهم هذه الأشياء. و قوله تعالى ﴿ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ تفكروا و تدبروا يا أهل العقول النيرة و البصائر الصافية في هؤلاء اليهود المتغطرسين كيف أغمهم الله و أحزنهم و أنزل بهم من بأسه ما جعلهم يخربون بيوتهم بأيديهم. فاتعظوا بذلك يا معشر المسلمين و احذروا أن تعصوا ربكم أو تخالفوا أمره فينالكم مكره فتعرضوا لغضبه. و الاعتبار كما قال القشيرى هو النظر في حقائق الأشياء و جهات دلالتها ليعرف بالنظر فيها شيء آخر. و لهذا قال النسفي و هو دليل على جواز القياس، و الاعتبار مأخوذ من العبور و المجاوزة من شيء إلى شيء و لهذا سميت العَبرة و هي الدمعة عبرة لأنها تعبر من العين إلى الخد و سمي علم تفسير الأحلام تعبيرا لأن المعبر ينقل تخيلات الرائي و إيحاءاته إلى المعاني المعقولة و المحسوسة، و سميت الألفاظ عبارات لأنها تنقل من لسان المتكلم إلى ذهن المخاطب، و لهذا يقال السعيد من اعتبر بغيره لأنه ينقل العظة بعقله من حال غيره إلى حال نفسه فيستفيد، و من لم يعتبر بغيره اعتبر به غيره أفاده في فتح البيان من مقاصد القرآن.

و قوله تعالى : ﴿وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (3) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقَّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ الجلاء مفارقة الوطن، يقال جلا بنفسه و أجلاه غيره، و الجلاء و الإخراج و إن كانا في إبعاد بمعنى واحد، فالجلاء ما كان مع الأهل و العشيرة، و الإخراج يكون للفرد و للجماعة بينما الجلاء إخراج الجماعة، و المعنى لولا أن كتب الله عليهم الخروج من أوطانهم على ذلك الوجه و قدره عليهم لعذبهم بالقتل و السبي في الدنيا كما فعل ببني قريظة لأن الله سبحانه ضرب عليهم الذلة و المسكنة و توعدهم بخزي الدنيا و الآخرة لأنهم مولعون بمعصية الله و مخالفة أمره و محادة رسله و لا يتورعون إن فكروا أن يقتلوا الأنبياء و الذين يأمرون بالقسط من الناس من العلماء و الدعاة و المصلحين،و من عادى أولياء الله و بارزهم بالحرب أرغم الله أنفه و أحل به بأسه و لم يك من المفلحين و لذلك قال : ﴿ وَمَنْ يُشَاقَّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ و قوله تعالى : ﴿ مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ .

اشتد حنق المسلمين على يهود بني النضير لأنهم بعثوا زعيمهم كعب بن الأشرق ليبرم العهود و المواثيق مع مشركي قريش تحث أستار الكعبة و يستفزهم لحرب الرسول صلى الله عليه و سلم و المؤمنين، و بلغ غيضهم عليهم أوجه لما علموا بعزم اليهود على قتل نبيهم في مؤامرة دنيئة لئيمة و لذلك قطعوا بعض نخلهم نكاية بهم و إغاظة لهم من جهة و لأنهم يتسترون بها و يتترسون و يرمون المسلمين بالنبال من ورائها، فلما قطعها بعضهم عاتبهم على القطع بعض إخوانهم و قالوا لم تقطعونها و هي غنيمة للمسلمين فصوب الله المعاتبين في عتابهم و رفع الإثم و الحرج عن القاطعين و اعتبر ذلك قضاءا و قدرا تم بمشيئة الله و إخزاء و نكاية لأعداء الله، كما قال ﴿ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ و في البخاري من حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قطع نخل بني النضير و حرقها و هي البويرة و فيها يقول حسان بن ثابت رضي الله عنه :

و هان على سراة بني لؤي                    حريق بالبويرة مستطير

و اختلف في نوع النخل الذي قطع أو حرق فقال مالك و مجاهد النخل كله بجميع أصنافه، و قال الآخرون النخل كله إلا العجوة و البرني و هي من كرام النخل و إنما أراد الصحابة بهذا القطع إرهاب العدو و إرعابه و الإسراع بتنزيلهم من حصونهم و استسلامهم و حملهم على المهادنة و الصلح و هذا ما حدث.

و هو ما يتجلى فيما ورد من صحيح الروايات التي تحصر المقطوع من النخلات فيما بين واحدة و ستة و هذا لا يكاد يعبأبه إذا علم أن النخل كان يعد بالمئات لأن من شأنه الإ فساد في الأرض يعمد إلى الإبادة و الاستئصال و لا يتوقى الإحاطة و الحذر و هذا الذي ظهر لي و الله أعلم. و قوله تعالى: وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) في هذه الآية تعريف للفيء و هو ما استخلصه المسلمون من أعدائهم بالصلح و المهادنة و ليس بالقتال لأن ما حصلوا عليه من أعدائهم بالشوكة و القتال و المجاهدة يسمى نفلا أو غنيمة كما قال : ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَنْفَالِ قُلْ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ و الغنائم و الأنفال من جهة، و الفيء من جهة أخرى، فالغنائم و الأنفال و هي ما استخلصت بالجهاد و القتال، أربعة أخماسها للمجاهدين، للفارس سهمان و للراجل سهم واحد و الخمس للرسول صلى الله عليه و سلم أو للخليفة أو لبيت المال يضعه في مصارفه الشرعية التي نص عليها القرآن. و الفيء نقيض ذلك، يستخلص بالصلح و المهادنة و يكون كله للرسول صلى الله  عليه و سلم يأخذ منه نفقة سنته و يجعل جزءا منه في الكراع و السلاح في ميزانية الدفاع، و باقيه لفقراء المسلمين و هو ما فعله النبي صلى الله عليه و سلم فقد خص المهاجرين دون الأنصار، و أعطى ثلاثة من الأنصار شكوا فقرا أو حاجة و هم أبو دجانة و سهل بن حنيف و الحارث بن الصمة. و لما بين الله تعالى لنبيه صلى الله عليه و سلم مصارف الفيء و المستحقين له شرعا بقوله تعالى : ﴿ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ بين الحكمة الشرعية في هذه القسمة بقوله سبحانه : ﴿ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ بمعنى أن المال في النظام الإسلامي حق لجميع المسلمين و ينبغي أن لا يحرم منه فقراؤهم و سواهم من ذوي الحاجات حتى لا يؤول أمره إلى أن يكون محصورا بأيدي فئة أو عصابات من المحتكرين و الإقطاعيين و الانتفاعيين من مصاصي دماء البشر، لأن الأصل في المال أنه لله ﴿وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ اللهِ الذِي آتَاكُمْ و أن المسلم مستخلف فيه بشروط يراعي تطبيقها في الكسب و الإنفاق كما قال رب العالمين : ﴿ آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ و ينبغي أن يعلم أن التلاعب بالمال و إطلاق أيدي السفهاء فيه بالإفساد و التبذير و الربا و الاحتكار هو الذي ينتج الأزمات المالية كهذه التي يمر بها العالم في الوقت الراهن، و قوله تعالى : ﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا الضابط الذي ينبغي مراعاته من طرف المسلم في أموره العامة و الخاصة الدينية منها و الدنيوية هو اتباعه للرسول صلى الله عليه و آله و سلم و اعتصامه بسنته فلذلك أرشدهم هنا إلى أن يقفوا عند أمره في حالي العطاء و المنع فما أعطاهم من الغنائم و الأنفال أخذوا و ما حبس عنهم من مال الفيء رضوا به و قنعوا بما آتاهم و سلموا الحكمة، و الآية و إن جاءت في هذا السياق لكنها عامة في لزوم طاعة الرسول صلى الله عليه و سلم في العسر و اليسر و المنشط و المكره كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه و ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم». و في صحيح البخاري من حديثه رضي الله عنه أيضا عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم قال : « كلكم تدخلون الجنة إلا من أبى؟ قالوا و من يأبى يا رسول الله؟ قال : من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى ».