بسم الله الرحمن الرحيم

فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ و به -سبحانه – أستعين.

( تفسير الآيات 11-22 من سورة الحشر ) ( من قوله تعالى : ﴿ أَلَمْ تَرى إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا ﴾ ألم تر إلى الذين نافقوا " إلى قوله تعالى: ﴿ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾.

ألقيت هذه المحاضرة بالجامع العتيق لعين الشق بالدار البيضاء . يومي الجمعة و السبت ' 25 و 26 شوال لعام 1429 ه الموافق ل 24-25 أكتوبر لعام 2008 م.

الكلمات         :       معــانيــها

نافقوا             :       أظهروا الإسلام و أظهروا الكفر.

لإخوانهم          :      يهود بني النضير.

حدر              :      خيطان

بأسهم بينهم      :      عداوتهم فيما بينهم.

شتى               :      متفرقة

و بال أمرهم      :      سوء عاقبة كفرهم

كمثل الشيطان    :     مثل المنافقين في وعدهم اليهود بالنصر و خذلانهم لهم كمثل الشيطان.

نسوا الله           :     تركوا أداء حقه في الإيمان و الطاعة و الامتثال.

فأنساهم أنفسهم   :     بحيث غفلوا عن حظوظ أنفسهم في الآخرة.

متصدعا            :     متشققا.

يخبر رب العزة سبحانه عن المنافقين عبد الله بن أبي و أتباعه و أشياعه ممن يوالون اليهود و المشركين، و يعادون رسول الله صلى الله عليه و سلم و أصحابه و يدبرون لهم المكائد و الدسائس و المؤامرات، حين بعثوا إلى يهود بني النضير أن اثبتوا و لا تطيعوا محمدا الذي أمركم بالخروج من المدينة فإنا معكم إن خرجتم خرجنا معكم و إن قوتلتم نصرناكم، و هذا سلوك المنافقين في كل زمان و مكان، ليس ولاؤهم لله و لرسوله و لصالحي المؤمنين و إنما ولاؤهم لليهود و النصارى و المشركين و لكل أعداء الله و أعداء دينه و دعوته، و قد رد الله عليهم بقوله: ﴿ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (11) لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ﴾، و على فرض و تقدير أنهم قاتلوا معهم فإن مآلهم إلى الهزيمة و الاندحار و تولية الأدبار﴿ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ  لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ﴾ بسبب أنكم أعظم مهابة في قلوبهم من الله يخافونكم أكثر مما يخافون الله كما قال تعالى: ﴿ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ﴾ ذلك لأنهم أغبياء جهلة لا يتدبرون الأشياء و لا يتبصرون عواقب الأمور طمس الله بصائرهم بسبب كفرهم و نفاقهم.

و قوله تعالى : ﴿ لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ﴾. إنهم جبناء مرعوبون ليس لهم قدرة على المبارزة و لا يستطيعون القتال كفاحا و مواجهة من غير حوائل و لا حواجز من دروع و أبراج و حصون، و أكثر ما يقاتلون من حصونهم و أبراجهم إذا حوصروا، و الأمثلة في ذلك بارزة حية في وقائع بني النضير و بني قريضة و خيبر فإنهم يظهرون بعض البسالة و الثبات لكن سرعان ما يجزعون و ينهارون فيستسلمون. و الغالب على طباعهم و سلوكهم فيما بينهم المعاداة و الشقاق و اللدد و الخصومة و الفرقة و المنازعة و التمزق، و ليس المحبة و الوئام و التآخي و الاتحاد كما يوهمونكم، أو كما تخالون و تظنون : ﴿ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ﴾. ثم ضرب الله تعالى لهم مثلين أحدهما لما حل بهم من الخزي و الهوان جزاء غدرهم و خيانتهم و نقضهم لمواثيق رسول الله صلى الله عليه و سلم مما أدى بهم إلى الحصار ثم الجلاء عن المدينة إذ لم يعتبروا بما حدث لإخوانهم من بني قينقاع الذين سبقوهم إلى الغدر بالمسلمين و انتهاك حرماتهم فكان جزاؤهم الجلاء و هو مثل قريب منهم زمانا و مكانا لم يستفيدوا منه و لم يتعظوا ﴿ كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ و المثل الثاني لما وعدهم به عبد الله بن أبي و حزب المنافقين من نصرتهم أو الجلاء معهم فلما جد الجد خذلوهم و تخلوا عنهم، إذ كان وعدهم سرابا و غرورا، و طمأنتهم إياهم كذبا و زورا، كما يفعل الشيطان بأوليائه و أتباعه إذ يعدهم و يمنيهم حتى إذا أوقعهم في الكفر و أوبقهم بذنوبهم تبرأ منهم، كما قال للمشركين و هو يعبئهم و يستفزهم لقتال رسول الله صلى الله عليه و سلم و المؤمنين معه في بدر : ﴿ لا غَالِبَ لَكُمْ الْيَوْمَ مِنْ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتْ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ ﴾ وكما خطب خطبته الشهيرة في عرصات القيامة متبرئا من أوليائه و جنوده ممن أغواهم و أضلهم ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ( سورة ابراهيم – الآية 24 )

و قال هنا: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (16) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾. (الحشر 16-17 ).